ابراهيم بن عمر البقاعي
27
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
قال مظهرا تعظيما للأمر ولئلا يقيد بحيثية عاطفا على ما تقديره : فيصير إلى اللّه سالما ، فإلى اللّه عاقبته لا محالة : وَإِلَى اللَّهِ أي الملك الأعظم وحده تصير عاقِبَةُ الْأُمُورِ * أي كما أنه كانت منه بادئتها ، وإنما خص العاقبة لأنهم مقرون بالبادئة . ولا ذكر المسلم ذكر الكافر فقال : وَمَنْ كَفَرَ أي ستر ما أداه إليه عقله من أن اللّه لا شريك له ، وأنه لا قدرة أصلا لأحد سواه ، ولم يسلم وجهه إليه ، فتكبر على الدعاة وأبى أن ينقاد لهم ، اتباعا لما قاده إليه الهوى . بأن جعل لنفسه اختيارا وعملا فعل القوي القادر ، فقد ألقى نفسه في كل هلكة لكونه لم يتمسك شيء فَلا يَحْزُنْكَ أي يهمك ويوجعك ، وأفرد الضمير باعتبار لفظ من لإرادة التنصيص على كل فرد فقال : كُفْرُهُ كائنا من كان فإنه لم يفتك شيء فيه خير ولا معجز لنا ليحزنك ، ولا تبعة عليك بسببه ، وفي التعبير هنا بالماضي وفي الأول بالمضارع بشارة بدخول كثير في هذا الدين ، وأنهم لا يرتدون بعد إسلامهم ، وترغيب في الإسلام لكل من كان خارجا عنه ، فالآية من الاحتباك : ذكر الحزن ثانيا دليلا على حذف ضده أولا ، وذكر الاستمساك أولا دليلا على حذف ضده ثانيا . ولما كان الحزن بمعنى الهم ، حسن التعليل بقوله التفاتا إلى مظهر العظمة التي هذا من أخفى مواضعها ، وجمع لأن الإحاطة بالجمع أدل على العظمة : إِلَيْنا أي خاصة بما لنا من العظمة التي لا تثبت لها الجبال مَرْجِعُهُمْ أي رجوعهم وزمانه ومكانه أي معنى في الدنيا وحسا يوم الحساب ، لا إلى غيرنا ، ولما بين أنهم في قبضته ، وأنه لا بد من بعثهم ، بين أن السبب في ذلك حسابهم لتظهر الحكمة فقال : فَنُنَبِّئُهُمْ بسبب إحاطتنا بأمرهم وعقب رجوعهم بِما عَمِلُوا أي ونجازيهم عليه إن أردنا . ولما كان معنى التضعيف : نفعل معهم فعل منقب عن الأمور مفتش على جليها وخفيها ، جليلها ودقيقها ، فلا نذر شيئا منها ، علله بقوله معبرا بالاسم الأعظم المفهم للعظمة وغيرها من صفات الكمال التي من أعظمها العلم ، لفتا للكلام عن العظمة التي لا تدل على غيرها إلا باللزوم ، مؤكدا لإنكارهم شمول علمه إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ أي محيط العلم بما له من الإحاطة بأوصاف الكمال بِذاتِ الصُّدُورِ * أي بالأعمال التي هي صاحبتها ، ومضمرة ومودعة فيها ، فناشئة عنها من قبل أن تبرز إلى الوجود ، فكيف بذلك بعد عملها . [ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 24 إلى 27 ] نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ ( 24 ) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 25 ) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 26 ) وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 27 )